ما الذي دفع الليرتين السورية واللبنانية إلى نفس العاصفة؟

لم يمض وقت طويل على موجة الانهيار التي ضربت العملة السورية هذا الأسبوع حتى وصلت إلى ضفاف الليرة اللبنانية، التي لطالما تأثرت حركتها بشكل أو بآخر بحركة الليرة السورية خلال الأزمات الماضية. لكن اللافت للنظر هذه المرة هو تدهور العملتين بشكل متزامن وبطريقة أقرب ما تكون لمبدأ السببية وكأن الأمر تجاوز تأثير إحداهما على الأخرى إلى تسبب انهيار إحداهما بانهيار الأخرى.
على أي حال، في ظل عدم وضوح السبب المباشر الذي دفع الليرة السورية إلى التدهور بهذه السرعة، إلا أن الأمر مختلف تماماً بالنسبة لمثيلتها اللبنانية حيث يمكن رصد مجموعة كبيرة من العوامل والتأثيرات السلبية التي تضعف وتدعم انهيار الليرة اللبنانية بشكل حاد، أولها الأزمات المصرفية المتراكمة التي تخلف ورائها فضائح ويُعقد على إثرها مباحثات وتحريات وليس آخرها التعقيدات السياسية والحزبية التي تجعل الاقتصاد اللبناني يقف على بنية هشة للغاية.
إذن، يقودنا التزامن الغريب في تدهور عملة البلدين، وغموض السبب المباشر الذي أطاح بسعر الليرة السورية، إلى البحث عن العوامل المشتركة التي أثرت في العملتين على حد سواء، وهذا ما سنقوم به أدناه.

الأزمة المصرفية في لبنان وعلاقتها بالليرة السورية:

يستمر في لبنان التدهور الاقتصادي الذي بدأ نهاية 2019، ومنذ ذلك الحين، يتوالى أكبر انهيار مصرفي في تاريخ لبنان الحديث، ويترافق مع انهيار مواز في سعر العملة الوطنية؛ إثر هبوط الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي بما يتجاوز 80%. ودفع هذا الأمر المصارف اللبنانية إلى فرض قيود مشددة على حسابات مودعيها، بعد أن تبين وجود فجوة خسائر كبيرة في حسابات مصرف لبنان، تتجاوز تقديراتها 63 مليار دولار أميركي…!

وقد أرجع بعض الخبراء الاقتصاديين أزمة الليرة السورية في السابق إلى التوقف شبه الكامل في تدفق الدولار الأمريكي إلى السوق السورية، الذي يعتمد بشكل أساسي على السوق اللبنانية منذ عام 2011 عندما لجأ التجار السوريون إلى المصارف اللبنانية لإيداع أموالهم فيها، وذلك بسبب العقوبات الأمريكية التي تحظر التعاملات التجارية مع دمشق، فلا يمكن تحويل الدولار مباشرة إلى سوريا.

ويمكن ربط الأمرين ببساطة للوصول إلى مجموعة كبيرة من الفرضيات والأسباب التي يتعذر التحقق من صحتها بغياب أي دلائل وفي ظل تحفظ كبير من المصارف اللبنانية عن إعطاء الوثائق الكافية للجهات الموكلة بهدف إكمال التحقيق حول مليارات الدولارات الضائعة ناهيك عن عرض الأمر للعامة.
وهذا بالتحديد ما يعمق من غموض الأزمة المالية في سورية ولبنان ويضعها رهناً لفرضيات التهريب والمضاربة والفساد والتجارة السوداء، لكنه يضع النقاط على الحروف ويكشف عن سبب محتمل للغاية يفسر تزامن انهيار العملتين بهذا الشكل.