
أعلن مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأميركية، يوم الخميس، عن قاعدة جديدة تهدف إلى تخفيف متطلبات ترخيص الصادرات المدنية إلى سوريا. القرار يأتي في إطار تنفيذ سياسات خاصة مرتبطة بالأمر التنفيذي رقم 14312 الصادر في 30 يونيو/حزيران 2025، والمعنون بـ"إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا".
قال وكيل وزارة التجارة لشؤون الصناعة والأمن، "جيفري كيسلر"، في تصريحات نُقلت عبر موقع الوزارة: "الإجراءات المتخذة تفي بوعد إدارة "دونالد ترامب" في إتاحة بداية جديدة لشعب سوريا"، مضيفاً: "الرئيس "ترامب" يسعى نحو مستقبل مستقر ومزدهر تحت حكومته الجديدة. وفي الوقت ذاته، سيبقى مكتب الصناعة والأمن يقظاً لمنع الجهات الخبيثة من الوصول إلى البضائع والبرمجيات والتكنولوجيا الأميركية".
تفاصيل القاعدة الجديدة
القاعدة التي أُعلنت تسمح بتصدير البضائع والبرمجيات والتكنولوجيا ذات المنشأ الأميركي، شريطة أن تكون مخصصة لأغراض مدنية بحتة. وتشمل هذه التسهيلات:
- الأجهزة الاستهلاكية للاتصالات.
- المواد المرتبطة بالطيران المدني.
- البنية التحتية للاتصالات.
- قطاعي الصرف الصحي وتوليد الطاقة.
أما الصادرات ذات الاستخدام المزدوج (مدني/عسكري)، فستظل تخضع لمراجعة حالة بحالة.
هذا القرار يُتوقع أن يفتح الباب أمام استثمارات جديدة، ويمنح الاقتصاد السوري فرصة للاندماج بشكل أكبر في الاقتصاد العالمي. كما أن إدراج المواد المدنية ضمن بند EAR99 يمثل تحولاً لافتاً في السياسة الأميركية تجاه دمشق.
انعكاسات اقتصادية مباشرة
اعتبر الخبير الاقتصادي السوري "خالد التركاوي" أن القرار يشكل خطوة محورية نحو إعادة دمج الاقتصاد السوري في المنظومة العالمية. وأوضح لوكالة الأنباء القطرية "قنا": "السماح باستيراد وتصدير السلع الاستهلاكية والتكنولوجية سيسهم في تقليل الاعتماد على الأسواق التقليدية وفتح أفق أوسع للاستثمار والنمو".
وأشار "التركاوي" إلى أن هذه التسهيلات ستعزز قدرة الشركات السورية على استيراد المعدات والمواد الأساسية بشكل أسرع وأكثر فعالية، ما يدعم جهود إعادة الإعمار ويحفز النشاط التجاري المحلي.
كما لفت إلى أن الأهمية الكبرى تكمن في فتح الباب أمام التكنولوجيا الأميركية الحيوية، مثل:
- أنظمة التشغيل "ويندوز" و"أندرويد".
- البرامج الهندسية المتخصصة مثل "أوتوكاد".
وهو ما يمكن أن يسرّع إعادة الإعمار، ويطور قطاع الاتصالات، ويجذب استثمارات أجنبية في مجالات الطاقة والطيران المدني.
التكنولوجيا والاستثمارات
بحسب "التركاوي"، يمكن النظر إلى مشاريع مثل إعادة تطوير "مطار دمشق الدولي" كأمثلة على عودة تدريجية للثقة بالسوق السورية. لكنه شدد على أن الاستفادة القصوى من هذه الفرصة تتطلب:
- إصلاحات تشريعية وإدارية لتسهيل إجراءات المستثمرين.
- تحديث القطاع الخاص المحلي عبر الاعتماد على الحوسبة السحابية والمنصات الرقمية العالمية.
ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، خصوصاً في ما يتعلق بالقطاع المصرفي والطيران والقطاعات الحيوية الأخرى التي تحتاج إلى تحديث عميق كي تتمكن من استغلال القرار الجديد.
تحول استراتيجي
أكد الخبير الاقتصادي "يونس الكريم" أن القرار الأميركي الأخير تجاه سوريا يمثل تحولاً استراتيجياً غير مسبوق، من خلال إنهاء حالة الطوارئ الخاصة بالبلاد وتخفيف مستوى التدقيق والرقابة الأميركية بشكل جوهري.
وقال "الكريم": "القرار يفتح المجال أمام الحكومة السورية للتعامل المباشر ليس فقط مع الولايات المتحدة، بل مع حلفائها في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك دول المعسكر الشرقي مثل "الصين" و"روسيا"." وأضاف أن العقوبات السابقة كانت ترفع كلفة التعاملات مع سوريا وتجعل التعاون محفوفاً بالمخاطر، بينما سيؤدي رفعها إلى خفض الكلفة وإتاحة توقيع عقود أكثر تنافسية لصالح الاقتصاد المحلي.
مرونة سياسية وفرص جديدة
أوضح "الكريم" أن الخطوة الأميركية تعكس أيضاً مرونة سياسية يمكن أن تتيح للحكومة السورية:
- الاستفادة من مساعدات عربية وأوروبية.
- الحصول على منح ومساعدات من منظمات إنسانية أميركية على شكل معدات أو أموال.
وأشار إلى أن رفع القيود على المواد والتكنولوجيا الأميركية سيُترجم إلى تخفيض كلفة إعادة الإعمار بنسبة تصل إلى 30%.
الاستثمار الأجنبي بين الفرص والمخاطر
يرى "الكريم" أن القرار يوفر عاملاً محفزاً لجذب الاستثمارات، لكنه مشروط بثلاثة عناصر رئيسية:
- وجود رؤية اقتصادية واضحة.
- مؤسسات قادرة على التنفيذ.
- توافر الأمن والاستقرار إلى جانب رفع العقوبات.
نجاح العام الأول من تطبيق القرار من دون إشكالات أمنية سيكون اختباراً حاسماً لجدية الاستثمارات الدولية.
ما الذي يتطلبه النجاح داخلياً؟
بحسب "الكريم"، فإن الحكومة السورية تستطيع الاستفادة من هذه الفرصة عبر:
- بناء مؤسسات اقتصادية قوية.
- إعلان خريطة استثمارية واضحة تركز على القطاعات المشمولة برفع القيود.
- تنظيم مؤتمرات دولية لدعوة المستثمرين والشركاء العرب والدوليين.
لكنه حذّر من أن التحديات ما تزال قائمة، خصوصاً على الصعيدين الإداري واللوجستي، إضافة إلى ضعف موارد القطاع الخاص السوري الذي انتقل جزء كبير منه إلى الخارج. وتجاوز هذه التحديات يتطلب استراتيجية جادة لإعادة دمج القطاع الخاص وتحفيزه على الاستثمار محلياً.
الأبعاد السياسية للقرار
الخبير الاقتصادي والأكاديمي "ياسر الحسين" يرى أن الخطوة الأميركية تتجاوز إطارها الاقتصادي، فهي تحمل بعداً سياسياً عميقاً. وقال لـ"العربي الجديد": "القرار يعكس بداية مرحلة جديدة من الانفتاح الأميركي تجاه سوريا بعد عقود من العقوبات والعزلة. وهو إشارة إلى تغيير في الاستراتيجية الأميركية، من منطق الضغط والعقوبات إلى منطق التسهيلات والانخراط".
ويرى "الحسين" أن هذه السياسة الجديدة تعكس توجه "واشنطن" نحو حل سياسي شامل، بما ينسجم مع تصريحات "البيت الأبيض" التي تؤكد أن الهدف النهائي هو "سوريا مستقرة وموحدة وفي سلام مع نفسها وجيرانها".
وأضاف أن القرار يحمل رسالة إلى الداخل السوري مفادها أن "الولايات المتحدة تدعم الاستقرار والتعافي، لا مجرد فرض القيود". كما أنه يمنح "واشنطن" "موطئ قدم سياسي واقتصادي جديد" في الملف السوري، ويوازن نفوذ قوى أخرى فاعلة في البلاد.
دلالات أوسع
من منظور أوسع، يفتح هذا القرار الباب أمام تحولات استراتيجية في العلاقة بين "دمشق" و"واشنطن".
الإدارة الأميركية لم تعد تتعامل مع سوريا من زاوية الصراع فقط، بل بدأت بإدخال أدوات الانخراط الاقتصادي كوسيلة للتأثير.
وبينما يرى البعض أن هذا الانفتاح قد يكون خطوة نحو تقليل المعاناة الإنسانية عبر دعم الخدمات العامة وإعادة الإعمار، فإن آخرين يعتبرونه جزءاً من إعادة تشكيل النفوذ الأميركي في "الشرق الأوسط"، في مواجهة قوى أخرى مثل "روسيا" و"إيران" التي رسخت حضورها في سوريا خلال السنوات الماضية.