تشهد الجغرافيا السورية، وتحديداً في منطقتها الشرقية الغنية بالموارد، تحولاتٍ ميدانية متسارعة قد تعيد رسم ملامح المشهد الاقتصادي للبلاد بعد سنواتٍ عجاف. فبعد أكثر من عقدٍ من الحرب التي استنزفت مقدرات البلاد، وخاصة قطاع النفط والغاز الذي كان يشكل عصب الاقتصاد، تأتي التطورات الأخيرة لتبث روحاً جديدة في الآمال المعلقة على استعادة هذا القطاع الحيوي، وسط تطلعات من المواطن السوري لتحسنٍ اقتصادي ينعكس على حياته اليومية.
وعقب هذه الأحداث، تم توقيع اتفاقٍ جديد بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد تنظيم قسد مظلوم عبدي، يقضي بتسلم الدولة السورية لجميع الحقول النفطية. وفي ظل هذه التطورات، والآمال المعقودة على عودة هذه الموارد للدولة السورية، نستعرض في هذه الجولة التحليلية أوضاع أهم الحقول الحالية، ونقارن بين كميات إنتاجها في زمن الذروة قبل عام 2011، والواقع الصعب الذي آلت إليه اليوم بناءً على آخر البيانات الموثقة.
المشهد قبل عام 2011: اكتفاءٌ ذاتي وفائض
لإدراك حجم التحدي الذي يواجه قطاع الطاقة اليوم، لا بد من العودة إلى المشهد ما قبل عام 2011، حين كانت سوريا تحقق اكتفاءً ذاتياً كلياً. فوفقاً لبيانات منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (اوابك)، سجل الإنتاج السوري عام 2011 قرابة 385 ألف برميل يومياً.
ولم يكن هذا الرقم مجرد إحصائية، بل تُرجم ميدانياً إلى استقرارٍ اقتصادي؛ حيث كانت المصافي السورية تكرر نحو 238 ألف برميل لتغطية الاحتياج المحلي، بينما يُصدّر الفائض محققاً عائداً سنوياً ناهز 3 مليارات دولار.
وفي قراءة تحليلية لهذا المشهد، يوضح الأكاديمي والباحث في الاقتصاد السياسي، الدكتور عبد المنعم الحلبي، في حديثه لـ "الجزيرة نت"، أن إدارة هذا الملف كانت تنطوي على تعقيدات نابعة من فساد المنظومة آنذاك؛ فمن أصل 400 ألف برميل كانت تُنتج فعلياً، كان يُدرج 130 ألف برميل فقط ضمن الحسابات القومية والموازنة العامة. ومع اشتداد الحرب في عام 2012، بدأ المنحنى بالهبوط الحاد ليصل الإنتاج إلى متوسط 140 ألف برميل يومياً، وهي آخر الإحصائيات الرسمية التي كشفت حجم الفجوة؛ حيث باتت سوريا اليوم أمام عجز يومي كبير يتطلب تأمين قرابة 200 ألف برميل لتلبية الحد الأدنى من الاحتياجات المحلية.
دير الزور: استعادة "العمالقة" وانتظار شارة البدء
المتغير الأبرز في المعادلة الحالية يأتي من محافظة دير الزور؛ فقد أكدت التقارير الميدانية -نقلاً عن هيئة العمليات السورية- استعادة السيطرة على ريف دير الزور الغربي بالكامل بفضل تكاتف الجهد العسكري مع هبة العشائر العربية. هذا التحرك الاستراتيجي أعاد للدولة السيطرة على أكبر حقولها النفطية والغازية:
- حقل العمر: يُعتبر "جوهرة التاج" النفطي السوري؛ فقبل عام 2011، كان يضخ وحده حوالي 80 ألف برميل يومياً. وخلال سنوات الحرب، وبسبب تضرر الآلات وعدم التمكن من الصيانة، تراجع إنتاجه إلى حوالي 20 ألف برميل يومياً فقط. ومع عودته لسيطرة الدولة، يحتاج الحقل إلى جهودٍ جبارة لإعادته إلى سابق عهده.
- حقل كونيكو: المعمل الأهم لمعالجة الغاز في سوريا. كان ينتج قبل الثورة قرابة 13 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، مغذياً محطات توليد الكهرباء والشبكة الوطنية. حالياً، الحقل متوقف عن العمل، مما يفسر جانباً كبيراً من أزمة الطاقة الكهربائية، وتعتبر استعادته "نقطة تحول" استراتيجية لهذا القطاع.
- حقول أخرى: لا يقل المشهد مأساوية في بقية الحقول؛ فـ حقل التنك انهار إنتاجه من 40 ألف برميل إلى نحو ألف برميل يومياً فقط. وكذلك حقل التيم الذي تراجع من 50 ألف برميل إلى 2,500 برميل، وحقل الورد الذي هبط من 50 ألفاً إلى 5 آلاف برميل فقط.
الحسكة: كنوز الشمال المنهوبة
بالانتقال إلى أقصى الشمال الشرقي في محافظة الحسكة، والمقرر عودة مواردها للدولة بموجب الاتفاق الأخير، تظهر الأرقام فجوة أخرى أيضاً:
- حقل السويدية: الحقل العملاق في منطقة المالكية، كان ينتج وحده 116 ألف برميل يومياً، بينما تشير التقديرات الحالية إلى أن إنتاجه لا يتجاوز 7 آلاف برميل (تراجع بنسبة تتجاوز 90٪).
- حقل الرميلان: الجار الاستراتيجي الذي كان يرفد الاقتصاد بـ 90 ألف برميل يومياً، انحسر إنتاجه ليصل إلى عتبة 9 آلاف برميل يومياً فقط.
خلاصة المشهد
إن استعادة الجغرافيا خطوة أولى، لكن استعادة الإنتاج تحدٍ آخر تماماً؛ فالأرقام تُظهر "فجوة إنتاجية" هائلة تتطلب استثمارات ضخمة، ووقتاً طويلاً، وخبرات فنية لترميم ما دمرته الحرب وإعادة تأهيل الآبار والمحطات. ومع ذلك، فإن بسط السيطرة على حقول دير الزور مع الاتفاق الجديد يمثل بلا شك حجر الزاوية في مشروع إعادة بناء قطاع الطاقة، وبداية الأمل بفك الخناق الاقتصادي عن البلاد.
