ثلاثة مسارات للإصلاح
تدخل المصارف الحكومية السورية الست مرحلة حاسمة بعد تقييم مفصّل أنجزته شركة الاستشارات الدولية "أوليفر وايمن"، حدد ثلاثة سيناريوهات محتملة لإصلاح القطاع المصرفي العام. وينبثق التقييم عن مذكرة تفاهم وقعتها وزارة المالية السورية مع "صندوق قطر للتنمية" وشركة أوليفر وايمن، بدعم من جهات دولية بينها البنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية.
يقترح السيناريو الأول إعادة هيكلة المصارف الحكومية مع الإبقاء على الملكية العامة بإدارة جديدة. أما الثاني فيفتح الباب أمام خصخصتها عبر الاستحواذ الأجنبي. ويتجه الثالث إلى إدخالها في شراكات استراتيجية مع مصارف عربية وأجنبية لضخ رأس المال والخبرة دون التخلي عن السيطرة.
فجوة في رأس المال
تكشف الأرقام عن خلل عميق. يبلغ إجمالي رأس المال المصرح به للمصارف الحكومية الست 134 مليار ليرة سورية قديمة، أي ما يعادل نحو 19 مليون دولار أمريكي، منها 126.5 مليار ليرة مدفوعة فعلياً. في المقابل بلغ إجمالي حقوق الملكية للمصارف الخاصة قرابة 8.7 تريليون ليرة قديمة، أي ما يقارب 795 مليون دولار، في نهاية الربع الرابع من عام 2025.
تفسّر هذه الفجوة فقدان القطاع العام لقدرته على تمويل عمليات الإقراض الكبيرة، في حين توسعت المصارف الخاصة في حصتها السوقية. ويبلغ الحد الأدنى لمتطلبات رأس المال لتأسيس مصرف تقليدي 10 مليارات ليرة سورية قديمة.
اختلالات هيكلية متراكمة
يرصد التقييم جملة من المشكلات التي تعصف بجدوى المصارف الحكومية. فقد أكل التضخم القيمة الحقيقية لرأس المال، وتتراكم القروض المتعثرة في دفاترها، فيما تظل المنصات التقنية متخلفة وغياب المعايير المحاسبية الدولية ملحوظاً. كما ظلت قرارات الإقراض رهينة توجيهات حكومية مباشرة.
وتراجعت ثقة العملاء أيضاً بفعل تكرار قيود السحب وارتفاع رسوم العمليات. ويرى التقييم أن استعادة الثقة لا تقل أهمية عن إعادة الرسملة في أي مسار إصلاح حقيقي.
تكلفة اجتماعية للخصخصة
حذّر الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي من أن مسار الخصخصة الكاملة قد يكون الأكثر إرباكاً للسوق، مشيراً إلى أنه قد يفضي إلى "تسريحات واسعة للعاملين وارتفاع في تكلفة الخدمات"، مع ما يحمله ذلك من تأثيرات على ميزانيات الأسر وعلى ثقة الجمهور.
أما خيار إعادة الهيكلة في ظل الملكية العامة، فيحمل في رأيه مخاطر اجتماعية أقل، مع إتاحة الفرصة لإحداث تغيير إداري عميق. ويبقى القرار النهائي بين يدي السلطات السورية التي عليها الموازنة بين تنافسية القطاع المصرفي ومتطلبات حماية فرص العمل وحفظ وصول السكان إلى الخدمات.
