العودة إلى الأخبار

لماذا لايزال انتشار العملة الجديدة محدوداً في الأسواق السورية؟ قراءة في سياسة المصرف المركزي

ضيف

 تمر الدولة السورية في مطلع عام 2026 بمرحلة "جراحة نقدية" هي الأكثر حساسية في تاريخها الحديث؛ إذ لم يكن قرار حذف الأصفار واستبدال الكتلة النقدية مجرد إجراء فني لتبسيط الحسابات، بل هو تحرك استراتيجي عميق يهدف لإعادة ضبط الإيقاع الاقتصادي. ورغم تأكيدات مصرف سوريا المركزي بضخ كميات وافرة من الفئات الجديدة وتوسيع منافذ توزيعها لتشمل محال الصرافة، إلا أن الواقع الميداني لا يزال يشير إلى أن العملة الجديدة "عملة نادرة" في التعاملات اليومية. ومع اقتراب انقضاء ثلث مهلة "التعايش النقدي" المحددة بتسعين يوماً، يتصاعد التساؤل: هل ستكفي هذه المدة لاستبدال القديم بالجديد كلياً؟ 

مفارقة "جريشام": حين تصبح الحداثة سبباً للاحتجاب 

تتجلى في المشهد السوري اليوم مفارقة "قانون جريشام" الشهيرة؛ حيث تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة من التداول. فبمجرد طرح أوراق نقدية نظيفة، صعبة التزوير، وذات قيمة رمزية جديدة، مال الجمهور غريزياً إلى تفضيلها على الأوراق القديمة المهترئة. ووفقاً لهذا السلوك، سارع الأفراد والشركات للإنفاق بالعملة القديمة للتخلص منها، بينما تم "اكتناز" العملة الجديدة في المنازل كنوع من التحوط أو حفظ القيمة. هذا السلوك التلقائي أدى إلى اختفاء العملة الجديدة من الدورة اليومية، مما خلق انطباعاً زائفاً بشح الضخ، رغم وجودها فعلياً في "خزائن الناس" لا في "جيوبهم". 

 
عوائق الانسياب: من "الراتب" إلى "مكتب الصرافة" 

الملاحظ أيضاً أن منافذ الضخ لا تزال تعاني من انسدادات وظيفية؛ فأحد أهم شرايين تغذية السوق بالعملة الجديدة هو "رواتب الموظفين"، وهو ما تعثر هذا الشهر حيث تم تسليم الرواتب بالعملة القديمة. يضاف إلى ذلك قلة توافر الفئات الجديدة لدى مكاتب الصرافة رغم مرور شهر كامل على الطرح، مما يشير إلى وجود فجوة بين قرارات المركزي التنظيمية وبين التنفيذ الميداني على مستوى المصارف والشركات المالية. 

"الرادار النقدي": ما وراء الهدوء الحذر 

يرى محللون أن هذا "الهدوء الحذر" في عملية الاستبدال هو تكتيك متعمد يعكس رغبة حاكم المصرف المركزي في كسر "الصندوق الأسود" للكتلة النقدية. فعلى مدار سنوات الحرب، تسربت تريليونات الليرات خارج النظام المصرفي، لتستقر في اقتصاد الظل أو في مناطق حدودية بعيدة عن الرقابة. 

إن عملية التبديل الحالية هي بمثابة "مسح راداري" شامل؛ فإجبار السيولة على المرور عبر القنوات الرسمية للاستبدال يتيح للمركزي، ولأول مرة منذ سنوات، تحديد حجم الكتلة النقدية الحقيقي بدقة. هذا الحصر هو "حجر الزاوية" لأي سياسة نقدية ناجحة؛ فبدون أرقام حقيقية للسيولة، لا يمكن ضبط التضخم أو رسم سياسات فائدة فعالة أو استهداف استقرار سعر الصرف. لذلك، يبدو أن الضخ يتم بـ "جرعات محسوبة" لضمان السيطرة الإحصائية ومنع أي انفجار فجائي في السيولة قبل إتمام عملية الحصر. 

تحديات اقتصاد الظل والأموال المشبوهة 

وفي سياق متصل، أوضح الخبير الاقتصادي خالد التركاوي لصحيفة "الثورة" أن هذا الإجراء وضع أصحاب الأموال المشبوهة أمام مأزق حقيقي، مما دفع بعضهم لاتخاذ إجراءات دفاعية تصعب تتبع ثرواتهم، مثل الهروب نحو العقارات أو تحويل السيولة إلى عملات أجنبية. هذه التحركات، رغم أنها تعقد مهمة التتبع، إلا أنها تؤكد أن عملية الاستبدال نجحت في "تحريك المياه الراكدة" في بنية الثروات غير الرسمية. 
 

إن استبدال العملة في سوريا 2026 هو "معركة معلوماتية" بامتياز قبل أن تكون نقدية. إن رغبة الحاكم في حصر الكتلة النقدية خطوة جراحية ضرورية لإنهاء زمن العشوائية، ولكن يبدو أن ثمن هذه الدقة هو "البطء" الذي قد يهدد الجدول الزمني لعملية الاستبدال الشاملة. 

شارك هذا المقال