لماذا تخضع الليرة السورية لسلطة السوق السوداء؟

يظهر مصطلح “السوق السوداء للعملات” بنسب متفاوتة في مختلف الدول ولكنه يبرز أكثر كلما ضعفت قيمة العملة الخاصة بدولةٍ ما وخرجت عن نطاق سيطرة الحكومة.

لذلك فحين تصبح الحكومة غير قادرة على ضبط أسعار عملتها الوطنية في الحدود المطلوبة، وتصبح البنوك المركزية غير قادرة على توفير القطع الأجنبي بسعر الصرف الرسمي من جهة وغير قادرة على مجاراة أسعار العرض والطلب والاعتراف بها في السوق من جهة أخرى، حينها تظهر السوق السوداء بقوة ويكون لها الكلمة في تحديد قيمة العملة.

تفضل بعض الدول أن تقوم بما يسمى “بتعويم العملة” الذي شرحنا عنه سابقاً، حيث تتيح هذه الاستراتيجية الاقتصادية لعملة الدولة أن تأخذ قيماً حقيقية معترف بها في السوق وقد تتدخل الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر في كبح انهيار العملة عند حدوثه، ويساعد ذلك على إلغاء السوق السوداء حيث لن يبقى لها أي داعي في هذه الحالة.

لكن في حالة الليرة السورية فيبدو أن السوق السوداء – ورغم كل إجراءات الحكومة والتشديد الأمني – لها الكلمة الأقوى في تحديد قيمة العملة السورية على المستويين المحلي والعالمي، أما أسعار الصرف الرسمية فهي تصبح بالتدريج أو أصبحت مجرد حبر على ورق لا تحمل أي معنى إلا عندما يضطر السوري لتصريف 100$ على الحدود وفقاً لتعبير بعض المراقبين.

وحين نتحدث عن تأثير السوق السوداء على قيمة العملة السورية فنحن لا نقصد حركة العرض والطلب فحسب، بل إن الليرة تتأثر أكثر بعوامل عديدة تلعب دورها في ساحة الاقتصاد السورية بشكل غير نزيه، كالمضاربات وتهريب العملة وغسيل الأموال وما شابه ذلك.

وقد دفعت الصورة الحالية القاتمة للوضع الاقتصادي في سورية أحد الخبراء للتعليق قائلاً:

” الليرة السورية باتت تفقد قيمتها كعملة وطنية بالتدريج، وذلك في ظل كونها لعبة في أيدي المضاربين وكبار التجار وأصحاب السلطة والنفوذ، أما المواطن السوري البسيط فهو يعاني الأمرين على الدوام من تحمل نتيجة هذه التحركات غير النزيهة التي تثقل كاهل الأسواق وتتسبب دائماً بمزيد من التضخم وتنقص من موثوقية وقيمة الليرة.”

إذا أردنا دراسة الأمر بشكل حيادي، لمعرفة الأسباب التي أدت إلى إحكام السوق السوداء براثنها على العملة السورية، سرعان ما نصطدم بالفئة الفاسدة المستفيدة التي تحقق أكبر مكاسب ممكنة على حساب لقمة عيش البسطاء من الشعب.

قد يحاول البعض إخفاء الأمر أو غض النظر عنه، لكن هبوط قيمة الليرة السورية والوضع الاقتصادي الذي وصلت إليه البلد، جعل المنطقة هنا في سوريا أرضاً خصبة للغاية لمختلف أنواع التجارة غير الشرعية بدايةً من مختلف أنواع التهريب وصولاً لتجارة المخدرات والأعضاء.

لذلك فإن معرفة الأسباب التي أوصلت الأمور الاقتصادية في سوريا إلى هذا الوضع المذري، لن تكون بالتحليلات الاقتصادية والدراسات المطولة، بل الأمر ببساطة يتعلق بجملة واحدة “الجهات المستفيدة”.

وإذا كُشف السبب بطل العجب، حينها فقط يمكننا التوجه للدراسات الاقتصادية والتحليلات وآراء الأساتذة والخبراء، أما محاولة كشف المرض الاقتصادي الذي ضرب العملة السورية باستخدام معطيات اقتصادية بحتة سيعطينا تشخيص خاطئ وبالتالي علاج خاطئ أيضاً لن يزيد حالة المريض إلا سوءً.