الفائدة السالبة…سياسة نقدية لافتة تقلب البوصلة الاقتصادية

يرتبط مفهوم الفائدة التقليدي عند كثير من الناس بأمرين فقط: إما الحصول على مبلغ مالي معين عند إيداع أموالك في حساب بنكي يقدم فوائد، أو دفع مبلغ مالي مقابل تأجيل سداد قرض لمدة محددة أو غير محددة.

أما على مستوى الدولة فترتبط نسب الفوائد بأمور مثل تشجيع الاستثمار والتحكم بقيمة العملة ومعدلات التضخم والركود وما شابه ذلك من معطيات الاقتصاد التي يتم التحكم فيها عن طريق رفع أو خفض أسعار الفائدة.

لكن هل خطر في ذهنكم أن مفهوم الفائدة قد يحمل معنى معاكس تماماً للتعريف التقليدي، فهل يمكن أن تخسر من أموالك عند إيداعها، أو هل يمكن أن تحصل على فائدة من تسديد قروضك بدلاً من أن تدفع فائدة للبنك مقابل تأخيرها؟

نظرياً نعم يمكن، وهذا ما يسمى بالفائدة السلبية التي سنشرحها لكم أدناه…

ما معنى الفائدة السلبية، ومتى يتم تطبيقها؟

الفائدة السالبة هي سياسة نقدية تلجأ لها البنوك المركزية في حالات الانكماش أو الركود الاقتصادي، فمن المعروف أنه في زمن الانكماش الاقتصادي يتوجه كل من المستثمرين والشركات إلى تكديس الأموال عوضاً عن إنفاقها وتداولها في السوق، لكن ذلك لن يصب في مصلحة اقتصاد الدولة وسيؤدي إلى مزيد من الركود، فينخفض الطلب وتنخفض معه الأسعار، بالتزامن مع تراجع الإنتاجية وزيادة البطالة.

فتقوم البنوك المركزية حينها بإجراء مضاد هو عكس قيم الفائدة ليصبح البنك يحصل على فوائد مقابل الإيداع بدلاً من إعطائها كما تجري العادة، فيجبر أصحاب الودائع ورؤوس الأموال على سحب سيولتهم واستثمارها في الأسواق لتنشيط الاقتصاد من ناحية، ويشجع على مزيد من الاقتراض لافتتاح مشاريع جديدة من ناحية أخرى.

تُطبق البنوك المركزية في 24 دولة معدلات فائدة سلبية على الودائع في البنوك التجارية، هذه الدول جميعها أوروبية باستثناء اليابان، تشمل 20 دولة تطبق فائدة صفرية، و4 دول تطبق فائدة سالبة، أي أنها أقل من الصفر.

في حين أن الفائدة المنخفضة تشجع الأفراد والشركات على الاقتراض لزيادة استثماراتهم، فإن الفائدة الصفرية أو السالبة ستؤدي بالضرورة إلى زيادة الاقتراض وسحب جزء من الودائع من البنوك إلى استثمارها في الاقتصاد، وبالتالي دوران عجلة الإنتاج وزيادة الاستثمارات والنشاط الاقتصادي، فيرتفع النمو الاقتصادي كنتيجة نهائية وهو ما يؤدي بدوره إلى توفير وظائف وخفض معدلات البطالة.

لكن وعلى أي حال، فإن سياسة الفائدة السالبة يتم تطبيقها في التعاملات بين البنوك التجارية فيما بينها أو مع البنك المركزي، أو بين البنوك والشركات أو البنوك والمستثمرين، أما تطبيقها على مستوى الأفراد فهو نادر ويتم ضمن حدود معينة.

كيف توثر الفائدة السالبة في الاقتصاديات على المستوى العالمي؟

صرح الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” في العام الماضي، مجدداً انتقاداته لسياسة مجلس الاحتياطي الاتحادي (المركزي الأميركي) بشأن أسعار الفائدة، داعيا إلى اعتماد أسعار فائدة سلبية أسوة بالمنافسين.

وقال ترامب إن البنك المركزي الأميركي تسبب في إضعاف القدرة التنافسية للولايات المتحدة أمام دول أخرى، مشيرا إلى أنه “بطيء للغاية في خفض أسعار الفائدة”.

وأضاف “تذكروا أننا نتنافس بنشاط مع دول تخفض صراحة أسعار الفائدة حتى أن الكثيرين يحصلون الآن في الواقع على مال عندما يسددون قروضهم، وهو ما يعرف بالفائدة السلبية، من منكم سمع بمثل هذا الشيء؟”.

وتابع “أعطوني بعضا من ذلك، أعطوني بعضا من ذلك المال، أريد بعضا من ذلك المال، مجلس الاحتياطي لدينا لا يدعنا نفعل هذا”، في إشارة إلى أسعار الفائدة السلبية.

لفهم هذه التصريحات الجريئة، يجب أن ندرك أن “دونالد ترامب” يحاول هنا مجابهة سياسة البنوك المركزية العالمية، التي لجأت إلى سياسة الفائدة الصفرية أو السالبة، مما جعل عملاتها تنافس الدولار بشكل لتصبح أكثر إغراءاً بالنسبة للمصدرين مانحةً إياهم قوة أكبر، أما الدولار الذي ارتفع بسبب انتعاش الاقتصاد الأمريكي – حينها – قد أثر سلباً على صادرات الولايات المتحدة الأمريكية.

أما في حال تطبيق سياسة الفائدة السلبية بالفعل في الولايات المتحدة، فذلك سيعني ضرب مصالح حلفائها الاقتصاديين من دول الخليج، الذين يأتمنون عوائدهم المالية في البنوك الأمريكية عرض الحائط، ولن يعود ذلك بالفائدة على أحد إلا “دونالد ترامب” نفسه، حيث ستضطر هذه الدول إلى ضخ أموالها في الاقتصاد الأمريكي على شكل استثمارات بدلاً من تعرضها للتآكل من قبل الفائدة السالبة في البنوك.